الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

85

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ القلم : 17 ] ، وهم المشركون فإنهم كانوا ينكرون عذاب الآخرة فهددوا بعذاب الدنيا ، ولا يصح عوده إلى أَصْحابَ الْجَنَّةِ [ القلم : 17 ] لأنهم كانوا مؤمنين بعذاب الآخرة وشدته . [ 34 ] [ سورة القلم ( 68 ) : آية 34 ] إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 34 ) استئناف بياني لأن من شأن ما ذكر من عذاب الآخرة للمجرمين أن ينشأ عنه سؤال في نفس السامع يقول : فما جزاء المتقين ؟ وهو كلام معترض بين أجزاء الوعيد والتهديد وبين قوله : سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ [ القلم : 16 ] وقوله : كَذلِكَ الْعَذابُ [ القلم : 33 ] . وقد أشعر بتوقع هذا السؤال قوله بعده : أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ [ القلم : 35 ] كما سيأتي . وتقديم المسند على المسند إليه للاهتمام بشأن المتقين ليسبق ذكر صفتهم العظيمة ذكر جزائها . واللام للاستحقاق . و عِنْدَ ظرف متعلق بمعنى الكون الذي يقتضيه حرف الجر ، ولذلك قدم متعلّقه معه على المسند إليه لأجل ذلك الاهتمام . وقد حصل من تقديم المسند بما معه طول يثير تشويق السامع إلى المسند إليه . والعندية هنا عندية كرامة واعتناء . وإضافة جَنَّاتِ إلى النَّعِيمِ تفيد أنها عرفت به فيشار بذلك إلى ملازمة النعيم لها لأن أصل الإضافة أنها بتقدير لام الاستحقاق ف جَنَّاتِ النَّعِيمِ مفيد أنها استحقها النعيم لأنها ليس في أحوالها إلّا حال نعيم أهلها ، فلا يكون فيها ما يكون في جنات الدّنيا من المتاعب مثل الحرّ في بعض الأوقات أو شدة البرد أو مثل الحشرات والزنانير ، أو ما يؤذي مثل شوك الأزهار والأشجار وروث الدواب وذرق الطير . [ 35 - 36 ] [ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 35 إلى 36 ] أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ( 35 ) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ( 36 ) فاء التفريع تقتضي أن هذا الكلام متفرع على ما قبله من استحقاق المتقين جنات النعيم ، ومقابلته بتهديد المشركين بعذاب الدّنيا والآخرة ، ولكن ذلك غير مصرح فيه بما يناسب أن يتفرع عليه هذا الإنكار والتوبيخ فتعيّن تقدير إنكار من المعرض بهم ليتوجه إليهم هذا الاستفهام المفرع ، وهو ما أشرنا إليه آنفا من توقع أو وقوع سؤال . والاستفهام وما بعده من التوبيخ ، والتخطئة ، والتهكم على إدلالهم الكاذب ، مؤذن بأن ما أنكر عليهم ووبخوا عليه وسفهوا على اعتقاده كان حديثا قد جرى في نواديهم أو